ابن بسام
113
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
جميع ما كان احتمله إسماعيل ابنه من ماله وذخائره لم يحرم منه شيء ، حتى إن زاملة من زوامله قصّرت عنه عند جدّه في السير وغادرها في الصحراء رازحة ، فوقعت إلى بعض فرسان والده الذين سرّحهم لاقتفاء أثره ، فقبض عليها وصرفت إلى إشبيلية بحملها لم يقطع لها حبل ، فزعموا أنّ وقرها كان مالا صامتا وذخائر تفوق قيمة ؛ وأظفر اللّه عبادا بولده أعظم الظفر ليبلوه فيما آتاه من ذلك ، فآثر الشفاء على المغفرة ، إلّا أنهم - زعموا - لحقته [ 38 ب ] لهذا الحادث وفظاعته وطروقه من مأمنه وفساد لأكرم أعضائه عليه ، وعمدة ثقاته لديه ، خشعة فلّت عزمه ، وحيّرت قلبه ، فعيّت به عما صمد له من أذى قرطبة والجعجاع بأهلها ، فتنفّس مخنّقهم قليلا ، وكفّت الغارات عنهم وقتا ، وسارع سعرهم إلى الانحطاط . قال أبو مروان : وبلغني أن الذي دبّر عليه هربه عن أبيه وتولّى كبره ، وزيره وصاحبه ، أبو عبد اللّه محمد بن أحمد البزلياني المهاجر إليه عن وطنه مالقة ، مختارا له على ملكه باديس ، فاعترف له عبّاد في جهله على نفسه وسوء مورده حجّة للعذر في تحكّمه عن ذي اللبّ المقرر لحوطة نفسه ، فإن هذا الفتى إسماعيل كان رمى إلى هذا الكهل بمقاليده وفوّض إلى رأيه ، فلم يبارك له فيه ، وشكا إليه بعض ما يناله من فظاظة والده وقسوته ورميه المتالف به ، فحسّن عنده - زعموا - العقوق له ، والذهاب عنه إلى أطراف أعماله العريضة ، كيما يتقرّر عليه ، وينفرد بنفسه ، فلما قذف به والده [ ما ] تعاظمه من حرب قرطبة / اعتزم إلى إنفاذ أمره في الفرار عنه من طريقه ذلك ، فعمل في النكوص عنه بما قدّمناه ، وهجم على قصر أبيه وأخذ ذخائره ، وخرج مبادرا ، ووزيره هذا البزليانيّ معه قد تولّى كبر ما أحدثه ، ونفذ في مقدار ثلاثين فارسا من خاصّة غلمانه ، بعد أن غرّق سفن المعابر الراتبة قدّام القصر بالنهر ، كيما يعتاص وصول الخبر إلى أبيه ، بالمتنزّه الذي كان فيه بعدوته ، إلى أن يبعد في مهربه ، فاتفق أن بادر إليه بعض غلمانه النازلين معه بالقصر ، وقد أنكر مدخل إسماعيل وخطفه ، فقطع النهر سباحة ، وسبق إلى مولاه عبّاد فأيقظه من نومه ، وعرّفه بالحادثة ، فسقط في يده ، وبادر بإخراج عدّة من فرسانه ، وأنذر عليه قواد الحصون ، فلجأ إلى قلعة الحصّادي - حسبما قدّمناه - . واستقرّ بعد في اعتقال والده مدة يقلّب الرأي في أمره ظهره لبطنه ، ولا يبين من قوّة غضبه عليه ما يؤيس من استبقائه له ، وقد عجل على أبي عبد اللّه البزلياني لأوّل ما اعتقله عنده ، لفرط حنقه عليه ، فضرب عنقه ، وقتل معه نفرا من خواصّ إسماعيل ، فاستوحش من أبيه ، ولم يشكّ أنه الذخيرة مجلد 3 8